برلمان يوم – أخبار وطنية
المشهد السياسي المغربي يعرف تحولات عميقة، وتصدعات بنيوية طالت أغلب المكونات الحزبية، وهي أزمة لم تعد مقتصرة على فصيل دون آخر، بل أصبحت ظاهرة عامة تتسم بـ “الانحسار التنظيمي” وتراجع أدوار الوساطة التقليدية.
إن المتأمل في مسار الأحزاب السياسية اليوم يجد نفسه أمام مشهد يطغى عليه تغليب المصلحة الضيقة وضعف الديمقراطية الداخلية، مما أنتج حالة من الاغتراب السياسي بين النخب والقواعد الشعبية.
تتجلى ملامح هذه الأزمة في سلسلة الاستقالات الجماعية التي ضربت فروع أحزاب كبرى وصغرى على حد سواء، وهي استقالات لا تعكس فقط خلافات في وجهات النظر، بل تؤشر على انسداد قنوات الحوار داخل الهياكل الحزبية.
لقد تحولت العديد من الأحزاب إلى مؤسسات مغلقة تخشى التجديد، حيث يتم إبعاد الكفاءات الحقيقية والمناضلين الميدانيين عبر قرارات الطرد أو التهميش، لصالح ولاءات شخصية أو عائلية ضيقة.
هذه السياسة الإقصائية لم تضعف فقط الأداء الحزبي، بل أدت إلى إفراغ المؤسسات من نخبها الفكرية، مما جعل العمل السياسي يفتقر للعمق والبرامجية.
وفي سياق التحضير لاستحقاقات 2026، برزت ظاهرة مقلقة تتعلق بـ “هندسة التوريث السياسي”، حيث يتم توجيه ربع التزكيات والمناصب القيادية نحو الأقارب والدوائر العائلية تحت شعار “العيال كبرت”.
هذا التوجه نحو إعادة إنتاج النخبة جينياً يمثل ضربة قاضية لآمال الشباب والجيل الصاعد (جيل Z) في الولوج العادل للعمل السياسي؛ فبدلاً من أن تكون الأحزاب مشتلاً لتخريج قيادات شابة تمتلك لغة العصر، تحولت إلى “ضيعات خاصة” تعيد تدوير نفس الأسماء بصلات قرابة واضحة، مما يرسخ الانطباع بأن المناصب السياسية باتت إرثاً لا استحقاقاً نضالياً.
أما على مستوى الأداء المؤسساتي، فقد فقدت العديد من الأحزاب بوصلتها في اتخاذ القرارات المصيرية، ولعل أبرز تجليات هذا التخبط هو التراجع عن آليات رقابية دستورية هامة مثل “ملتمسات الرقابة” في اللحظات الأخيرة، وهو ما اعتبره الكثيرون خيانة لفرق المعارضة وإضعافاً لدورها الرقابي.
هذا التدهور في اتخاذ القرار ترافق مع خروج قيادات حزبية للحديث عن تعرضها لـ “الاحتيال السياسي” أو التغرير بمواقفها، وهي تصريحات غالباً ما تأتي في “الوقت الميت” وبعد فوات أوان التأثير الحقيقي، مما يجعلها تبدو كمحاولات بائسة لتبرير الفشل التدبيري أمام القواعد والشارع.
إن المشهد السياسي المغربي اليوم في حاجة ماسة إلى رجّة ديمقراطية تعيد الاعتبار للمؤسسات الحزبية بعيداً عن منطق “العائلة والولاء”.
فاستمرار تغليب منطق القرابة في توزيع التزكيات سيؤدي لا محالة إلى تعميق العزوف السياسي وتآكل شرعية الأحزاب، مما يجعل من محطة 2026 فاصلاً وجودياً؛ إما للقطع مع ممارسات الريع السياسي وتوريث المناصب، أو المضي قدماً نحو تحنط تنظيمي ينهي دور الأحزاب كقوة محركة للمجتمع المغربي.
برلمان يوم Htpps://barlmanyoum.com
