برلمان يوم – المشهد البرلماني
تعيش الساحة السياسية داخل اسرائيل على وقع مخاض هو الأعنف من نوعه، بعد أن صادقت الهيئة العامة للكنيست، بالقراءة التمهيدية، على مشروع قانون يقضي بحل البرلمان والتوجه نحو انتخابات تشريعية مبكرة.
هذا القرار الذي حظي بتأييد جارف بلغ 110 أصوات دون أي معارضة، لا يعكس فقط حجم الانسداد السياسي الذي وصلت إليه حكومة بنيامين نتنياهو، بل يؤشر على بداية النهاية لواحد من أكثر التحالفات اليمينية تطرفاً وهشاشة في تاريخ إسرائيل.
لم يكن هذا الإجماع النادر بين الائتلاف الحاكم والمعارضة وليد صدفة سياسية، بل جاء نتيجة تفجر “قنبلة موقوتة” من الداخل تمثلت في أزمة قانون إعفاء اليهود المتشددين (الحريديم) من الخدمة العسكرية.
فرئيس الوزراء الحالي، بنيامين نتنياهو، الذي لطالما أدار الأزمات بأسلوب المناورة وشراء الوقت لضمان بقائه السياسي والهروب من ملاحقاته القضائية الجنائية، وجد نفسه هذه المرة محاصراً من قبل حلفائه الطبيعيين.
فقد أدركت الأحزاب الدينية، وعلى رأسها حزب “ديغل هتوراه”، أن وعود نتنياهو بشأن استمرار إعفاء أتباعها من التجنيد وبقاء تدفق الأموال لمؤسساتها أصبحت بلا رصيد واقعي. وأمام الرفض القاطع للمؤسسة الأمنية والقانونية لتمرير هذا الإعفاء، أوعزت القيادات الروحية لـ”الحريديم” بالدفع نحو حل الكنيست، مفضلةً خيار التضحية بالحكومة الحالية على التنازل عن مكتسباتها التاريخية.
وفقاً للقراءات التحليلية للمشهد، فإن الساحة السياسية باتت رهينة للحسابات الشخصية لرجل واحد مستعد للتضحية باستقرار الدولة من أجل نجاة قضايا شخصية.
ورغم تمرير القانون بالقراءة التمهيدية، فإن معركة الكواليس انتقلت الآن إلى تحديد موعد الانتخابات المقبلة؛ حيث يستميت نتنياهو لتأجيلها إلى نهاية أكتوبر المقبل لترتيب أوراقه وإعادة توجيه دفة الإعلام، في حين تضغط أحزاب “الحريديم” لتقديمها إلى شهر سبتمبر لقطع الطريق أمام أي مناورات جديدة من “الليكود”.
من جانبه، يسعى المعسكر المعارض، بقيادة يائير لبيد وقوى اليمين والوسط، إلى استغلال هذه اللحظة المفصلية لتسريع إجراءات القراءات الثلاث المتبقية ليصبح القانون نافذاً، معتبرين أن إسقاط الحكومة اليمينية الحالية هو السبيل الوحيد لإنقاذ الوضع الداخلي وإعادة صياغة السياسة الخارجية والأمنية للبلاد.
إن ما جرى في الكنيست يتجاوز مجرد كونه إجراءً برلمانياً روتينياً، ليمثل إعلاناً صريحاً عن فشل صيغة الحكم التي قادها اليمين المتطرف منذ أواخر عام 2022.
ومع إحالة القانون إلى اللجنة البرلمانية المختصة تمهيداً لعرضه على القراءة الأولى، تدخل إسرائيل مرحلة “الترقب السياسي والانتظارية”، حيث ستكون الشهور القادمة حاسمة في إعادة رسم الخارطة الحزبية.
الأكيد اليوم، بحسب قراءات المتتبعين للشأن الدولي، هو أن “كاريزما المناورة” التي تميز بها نتنياهو لسنوات قد تآكلت بشكل شبه كامل، وأن الذهاب إلى صناديق الاقتراع للمرة السادسة في غضون سنوات قليلة يعكس أزمة بنيوية حادة وعميقة داخل بنية صناعة القرار في تل أبيب، مما يفتح الباب على مصراعيه أمام سيناريوهات مفتوحة قد تعيد صياغة التوازنات الإقليمية برمتها.
برلمان يوم Htpps://barlmanyoum.com
