برلمان يوم – آراء ومواقف
بقلم: فتح الله الرفاعي
في ظل المنعطفات الجيوسياسية الحادة التي تمر بها المنطقة، وتصاعد حدة المواجهة الصريحة مع التهديدات المباشرة التي شنها ما يعرف بـ “الحرس الثوري الإيراني” ضد المنشآت الحيوية والمدنية في دولة الإمارات، برز تساؤل جوهري في الأوساط السياسية والإعلامية حول كيفية تعامل الدولة مع المكونات المرتبطة ثقافياً أو مذهبياً بخصمها العسكري.
لقد جاءت الإجابة الميدانية والسياسية حاسمة، حيث قدمت الإمارات نموذجاً عالمياً في الفصل الاستراتيجي بين صيانة الأمن القومي وبين حرية المعتقد وحقوق المقيمين، فبالرغم من إنهاء “الصبر الاستراتيجي” سياسياً وعسكرياً تجاه نظام طهران، وإغلاق السفارة الإماراتية هناك في مارس 2026، إلا أن الدولة لم تنزلق نحو إجراءات عقابية جماعية أو تضييقات مذهبية، بل حافظت على تماسك نسيجها الاجتماعي كجزء من قوتها الناعمة.
إن واقع الحال يثبت أن الإمارات لم تبادر إلى إغلاق أو إنهاء وجود مساجد الشيعة أو المراكز الجعفرية، بل استمرت هذه المؤسسات في أداء دورها التعبدي تحت مظلة القانون الإماراتي الصارم الذي يمنع تسييس المنبر، لتبقى معالم بارزة مثل مسجد الإمام علي بن أبي طالب في دبي، ومسجد الرسول الأعظم في أبوظبي، ومسجد الزهراء في الشارقة، مفتوحة أمام المصلين في رسالة ثقة مفادها أن الدولة قوية بما يكفي لحماية حدودها دون التضحية بقيمها الإنسانية.
ويعزز هذا التوجه حجم الوجود الإيراني في الدولة الذي يقدر لعام 2026 بنحو 560,000 نسمة، يشكلون حوالي 4.7% من إجمالي السكان، مع استمرار نشاط أكثر من 8,000 شركة باستثمارات إيرانية في دبي وحدها، بجانب عمل المؤسسات الحيوية كالمستشفى والنادي الإيراني بشكل طبيعي.
إن هذا التحول الإماراتي نحو الردع العسكري رداً على الاعتداءات الأخيرة لم يغير من واقع كونها واحة للتعايش، فالدولة تدرك أن استهداف الحرس الثوري للمنطقة يهدف لضرب نماذج الاستقرار وإشعال الفتن المذهبية، وهو ما أفشلته أبوظبي بتمسكها بدولة المؤسسات التي تحمي المسجد كما تحمي الحدود، لتثبت للعالم أنها دولة واثقة لا تخشى التنوع، بل تجعله سلاحاً في وجه التطرف والعدوان، وأن بقاء دور العبادة مفتوحة في عز الأزمات العسكرية هو الانتصار الحقيقي لنموذج الدولة الحديثة على نموذج “الثورة” العابر للحدود.
معاريف بريس Htpps://barlmanyoum.com
