صعود حزب البديل الألماني يهدد مستقبل أوروبا

برلمان يوم -المشهد الانتخابي الدولي

 

يشهد المشهد السياسي الألماني والأوروبي تحولاً مفصلياً مع تعاظم النفوذ الانتخابي لليمين المتمثل في حزب “البديل من أجل ألمانيا”، حيث يرتبط هذا الصعود بشبكة معقدة من العوامل الاقتصادية والسياسية التي تمتد أبعادها إلى عمق الاتحاد الأوروبي.

يقف التراجع الاقتصادي في مقدمة المحركات التي غذت القاعدة الشعبية لليمين؛ إذ تسببت أزمة الطاقة والارتفاع القياسي في تكاليف المعيشة والتضخم، إلى جانب الضغوط الناجمة عن التحول الأخضر، في ضرب القطاعات الصناعية التقليدية وخاصة في ولايات ألمانيا الشرقية.

استغل اليمين هذا السخط الشعبي عبر التشكيك في جدوى السياسات المناخية الأوروبية المرتفعة الكلفة، مطارحاً بدائل ترتكز على الطاقة التقليدية. إلا أن هذا التوجه يحمل بدوره تداعيات اقتصادية عكسية، حيث يرافق هذا الصعود مخاوف جادة لدى قطاع الأعمال واتحادات الصناعة من تراجع جاذبية ألمانيا للمستثمرين الأجانب، واهتزاز سوق العمل نتيجة الخطاب المناهض للعمالة الماهرة والمهاجرة التي يحتاجها الاقتصاد الألمانـي لمواجهة التحديات الديموغرافية.

يشكل ملف الهجرة واللجوء العمود الفقري لبرنامج اليمين السياسي وورقته الأكثر حشداً؛ حيث يتبنى الحزب دعوات صارمة لإغلاق الحدود، ووقف الإنفاق الاجتماعي على اللاجئين، وتطبيق سياسات ترحيل واسعة. لم يقتصر تأثير هذا الطرح على قواعد الحزب الشعبية، بل فرض واقعاً جديداً أجبر أحزاب الوسط التقليدية على تبني سياسات حزم أكثر قسوة وتقييد إجراءات اللجوء محلياً وأوروبياً لمحاصرة هذا الصعود.

تنعكس هذه التحولات الداخلية مباشرة على السياسة الخارجية الألمانية والتوازنات الجيوسياسية؛ إذ يدعو اليمين إلى إعادة رسم العلاقات الدولية بناءً على المصلحة الوطنية المباشرة، متحنطاً بمواقف تشكك في جدوى التحالفات التقليدية. يظهر ذلك بوضوح في الدعوة إلى رفع العقوبات الاقتصادية عن موسكو، وإعادة الدفء للعلاقات معها لاستيراد الطاقة بأسعار مخفضة، إلى جانب المطالبة بوقف الدعم العسكري والمالي لأوكرانيا والدفع نحو تسوية سريعة، مما يضع استراتيجية الغرب وأمنه الإقليمي على المحك.

يصطدم هذا المشروع اليميني في جوهره مع فكرة “التكامل الأوروبي”؛ فاليمين الألماني يرفض هيمنة بروكسل ونقل الصلاحيات الوطنية إليها، داعياً إلى العودة لمعادلة “أوروبا الأمم” المستقلة. ونظراً لمكانة ألمانيا كأكبر قوة اقتصادية وممول رئيسي للميزانية الأوروبية، فإن أي شلل أو تحول في الموقف الألماني يهدد بتمزيق وحدة القرار الأوروبي، وعرقلة مشاريع التوسع المستقبلي للاتحاد، وتكريس الانقسام السياسي داخل القارة.

معاريف بريس Htpps://maarifpress.com

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد