سيكولوجية المسخ الرقمي.. حينما تتحول “الحرمة” إلى سلعة في سوق “اليوتيوب” المغربي
برلمان يوم – قضايا وطنية
لم يعد المشهد الرقمي المغربي مجرد فضاء لتبادل المعلومات أو الترفيه البريء، بل استحال في الآونة الأخيرة إلى ساحة مفتوحة لما يمكن وصفه بـ “المسخ القيمي”، حيث سقطت فئة من صناع المحتوى في فخ المقايضة الوجودية: التنازل عن الكرامة الإنسانية والخصوصية الأسرية مقابل حفنة من “الدولارات الرقمية” ونسب المشاهدة الوهمية.
إن ما نشهده اليوم يتجاوز مجرد “صناعة التفاهة” ليدخل في سياق تشويه متعمد للهوية المغربية الأصيلة، حيث باتت “الفضيحة” هي العملة الأكثر رواجاً، وأصبح “المستور” مادة دسمة للعرض العام تحت مسميات براقة مثل “الروتين اليومي” أو “المقالب العائلية” المفبركة التي لا تخدم سوى غريزة التلصص لدى المتلقي.
هذا المسخ الذي نعيشه ليس وليد الصدفة، بل هو نتاج “اقتصاد الجشع” الذي تفرضه خوارزميات المنصات العالمية، والتي لا تفرق بين المحتوى الهادف والمحتوى الساقط، بل تكافئ كل ما هو صادم وغريب.
وهنا يكمن الخطر الحقيقي، إذ يتحول “اليوتيوبر” من صانع محتوى إلى كائن مهجن فاقد للمبادئ، يعيش انفصاماً حاداً بين واقعه الاجتماعي وبين الصورة المهينة التي يسوقها عن نفسه وعن أسرته من أجل استجداء “البوز”.
إن هذا الانحدار الأخلاقي يعيد صياغة مفهوم “القدوة” لدى الأجيال الناشئة، التي باتت ترى في الجهل والتعري الأخلاقي طريقاً قصيراً للثراء السريع، مما يضرب في العمق قيم العلم والعمل والاجتهاد التي تأسس عليها المجتمع المغربي.
إن المسؤولية اليوم لا تقع فقط على عاتق هؤلاء “الممسوخين” رقمياً، بل تمتد لتشمل المتلقي الذي يمنحهم شرعية البقاء بالمتابعة والاشتراك، وكذا الجهات الوصية التي بات لزاماً عليها التدخل لتقنين هذه الفوضى الرقمية وحماية الرأس المال اللامادي للمملكة.
فالمعركة اليوم ليست تقنية بل هي معركة وعي بامتياز، تفرض علينا كمجتمع وكإعلاميين في منصات وطنية رصينة أن نقف سداً منيعاً أمام هذا المد الهادم، ونعيد الاعتبار للمحتوى الذي يحترم ذكاء المغاربة ويصون حرمة بيوتهم من هذا المسخ الذي بات يهدد بتسميم الذوق العام وتدمير الروابط القيمية التي تجمعنا.
برلمان يوم Htpps://barlmanyoum.com
