برلمان يوم – قضايا وطنية
تأتي الهندسة الحكومية الجديدة التي أفرزتها مشاورات رئيسة الحكومة، السيدة فاطمة المنصوري، لتُرسِم معالم خريطة سياسية واضحة المعالم، لكنها محفوفة بالألغام والمخاطر الاستراتيجية. فبينما نجح حزب الأصالة والمعاصرة في انتزاع موقع متقدم وصدارة المشهد بعد مخاض عسير ومحطات سياسية دقيقة، جاءت تشكيلة الائتلاف الحكومي المؤلف من أحزاب الأصالة والمعاصرة، الاستقلال، الاتحاد الاشتراكي، والتقدم والاشتراكية لتُدخل الأغلبية منذ لحظة ولادتها في مأزق بنيوي عويص؛ إذ يبدو أن السيدة المنصوري قد اختارت، بمحض إرادتها وتحملها لكامل المسؤولية السياسية والتاريخية عن قناعاتها، أن تغفل قواعد التوازن الاستراتيجي وتفتح على حكومتها جبهة برلمانية من العيار الثقيل.

معارضة برلمانية بلا هوادة: بركان استعراضي وصدام حتمي
لم يعد خافياً على أحد أن البرلمان المغربي في هذه الولاية التشريعية مقبل على صاخب سياسي غير مسبوق، قد يحطم الأرقام القياسية في عدد الجلسات العمومية الموقوفة والتوترات الحادة تحت قبة البرلمان. ولعل الرهان على لجم المعارضة أو تدجينها يبدو وهماً سياسياً أمام تشكيلة معارضة لا تهاب المواجهة وتتميز بالممارسة والكفاءة العالية.
فحزب العدالة والتنمية، الذي راكم تجارب مريرة وغنية سواء في كرسي تدبير الشأن الحكومي أو في دهاليز العمل التشريعي البرلماني، يعود اليوم بوصفه رأس الحربة.
وإذا كانت حكومة عزيز أخنوش السابقة قد أظهرت عجزاً بيناً ومحرجاً في مواجهة الصارم البرلماني عبد الله بوانو( العدالة والتنمية ) أو النائب البرلماني محمد والزين ( الحركة الشعبية) فإن الولاية الحالية تضاعف من حدة التحدي بكتلة صلبة تضم 54 عضواً من العيار الثقيل، يتقدمهم أسماء وازنة ومحنكة مثل إدريس الأزمي، ومصطفى الخلفي، ووجوه برلمانية شرسة من مدينة القنيطرة وباقي المدن.
هذا الثقل النوعي سيجعل تأثير المعارضة جوهرياً، صادماً، وضاغطاً، ولا سيما خلال معترك لجنة المالية ومناقشة مشروع قانون المالية سواء داخل اللجان القطاعية أو في مرحلة التصويت الحاسم بالجلسات العمومية.

جبهات متعددة: من “أسود اليسار” إلى حنكة النساء البرلمانيات
ولا تقتصر الشراسة على العدالة والتنمية وحده، بل تتوزع الأدوار على خريطة معارضة متعددة الأقطاب والأساليب:
الحركة الشعبية حسمت رهانها المؤسساتي بتقديم النائبة البرلمانية ريم شباط على رأس فريقها، لتضخ دماء جديدة وحيوية ميدانية تربك حسابات الأغلبية.
الاتحاد الدستوري بدوره يعتمد على صوت نسائي قوي ومخضرم ممثلا في النائبة صفية اللبار، التي تستند إلى رصيد وتجربة ميدانية واسعة في غرف التجارة والصناعة بفاس، مما يمنحها قدرة فائقة على تفكيك الخطاب الحكومي.
اليسار الاشتراكي الموحد (“أسود اليسار”): وفي طليعتهم النائب بنجلون، الذي يدخل المعترك بلا خطوط حمراء أو نزعة نحو الوسطية المهادنة، حاملاً على عاتقه مهمة رد الاعتبار لتاريخ العائلة والرمزية السياسية لآل بنجلون، من خلال مداخلات قوية ومنبرية ستوجه ضربات موجعة للاتحاد الاشتراكي وأحزاب الكتلة التي فقدت بريقها وتأثيرها الفعلي في وجدان الشارع السياسي، وفيدرالية اليسار التي تضم صوت نسائي معارض لسياسات الحكومات ومن بينهن نبيلة منيب.
مأزق الأغلبية: بين رهان كسب الثقة وشبح التعديل أو الحل
إن هذه التشكيلة البرلمانية الصاخبة تعد بولاية تشريعية استثنائية ومشوقة، قد تساهم -سخريةً للقدر- في إعادة جزء من الثقة السياسية للمواطنين بفعل ارتفاع نسب المتابعة والمشاهدة لجلسات المساءلة والتشريع.
غير أن الوجه الآخر لهذه العملية هو التآكل السريع لرصيد الأغلبية؛ فالمعارضة بتناغمها وشراستها قادرة على استقطاب رأي عام واسع وغاضب، مما قد يعجل بإنهاك الحكومة، وربما فرض سيناريوهات قاسية تكريساً لضعف الائتلاف، كالتعديل الحكومي المباغت قبل حتى منتصف الولاية التشريعية، أو حتى الذهاب نحو خيار انتخابات سابقة لأوانها تعيد خلط الأوراق من جديد.
فهل تستدرك رئيسة الحكومة وحلفاؤها هذا الطوق البرلماني المضروب حولهم، أم أن العاصفة القادمة ستقتلع أسوار الأغلبية قبل أن تكتمل سنة التأسيس؟
برلمان يوم Htpps://maarifpress.com
