برلمان يوم – أخبار البرلمان
تشكل جلسة انتخاب رئيس مجلس النواب المغربي محطة سياسية فارقة لم تقتصر أهميتها الرمزية على حسم رئاسة المؤسسة التشريعية فحسب، بل تعدتها لتكون اختباراً أولياً حقيقياً لمعادلة القوى داخل البرلمان وإعادة ترسيم الحدود الفاصلة بين معسكري الأغلبية والمعارضة. وقد أسفرت عملية الاقتراع عن فوز مرشح التحالف الأغلبي أحمد التويزي برئاسة المجلس بعد حصوله على أغلبية مريحة بلغت مئتين وعشرين صوتاً، في مواجهة مرشح المعارضة إدريس الأزمي الإدريسي الذي نال تسعاً وخمسين صوتاً. وتعكس هذه الأرقام في دلالاتها السياسية العميقة درجة عالية من الانسجام والتماسك بين مكونات التحالف الحكومي الرباعي، مما أتاح تمرير مرشح الأغلبية بسلاسة وأريحية عددية ملموسة، بينما يعكس حصول مرشح المعارضة على أصوات تتجاوز حجم فريقه النيابي وجود تقاطع وتنسيق بين أطراف معارضة مختلفة لبعث رسالة سياسية موحدة حول ضرورة تفعيل البعد الرقابي والتنافسي داخل المؤسسة التشريعية. وفي المقابل، تثير هذه الخريطة تساؤلات محورية حول طبيعة التموضعات السياسية الراهنة، لا سيما ما يتعلق بحقيقة انفراد حزب العدالة والتنمية بممارسة المعارضة من عدمه، وموقع حزب التجمع الوطني للأحرار وباقي المكونات الحزبية في المشهد البرلماني الجديد. وتؤكد القراءة الدقيقة لتفاصيل هذه التموضعات أن العدالة والتنمية ليس هو الحزب الوحيد في صفوف المعارضة، وأن حزب التجمع الوطني للأحرار لا ينتمي للأغلبية الحكومية أو المساندة بأي شكل من الاشكال. فعلى الرغم من احتلال التجمع الوطني للأحرار لمرتبة متقدمة في الانتخابات التشريعية، وجد الحزب نفسه خارج التشكيلة الحكومية الرباعية، ليختار الاصطفاف بوضوح في صفوف المعارضة البرلمانية، وهو ما تجلى بوضوح في قرار فريقه النيابي بالامتناع عن التصويت خلال جلسة انتخاب رئيس المجلس، مسجلاً بذلك مسافة سياسية واضحة ومستقلة عن توجهات الأغلبية التحالفية. وبناء على ذلك، تتشكل المعارضة الحالية من أطياف ومرجعيات فكرية وسياسية متباينة، تجمع بين معارضة ذات خلفية ليبرالية وتكنوقراطية يقودها حزب التجمع الوطني للأحرار، ومعارضة ذات مرجعية إسلامية ورصيد تدبيري يمثلها حزب العدالة والتنمية، إلى جانب أحزاب وقوى أخرى تتوزع أدوارها بين النقد المؤسساتي والرقابة البرلمانية. إن هذا التنوع الإيديولوجي والسياسي ينفي تماماً فرضية المعارضة الأحادية، وينقل المشهد البرلماني من منطق الثنائية المباشرة إلى دينامية التعددية في خطابات المعارضة وأساليب مساءلتها للحكومة. وعليه، فإن مستقبل العمل التشريعي والرقابي سيحكومه تفاعل معقد بين أغلبية عددية متماسكة تسعى إلى تمرير أجندتها التشريعية بارتياح، ومعارضات متعددة الروافد تتربص بأي زلة سياسية لفرض حضورها وممارسة أدوارها الدستورية بكل شراسة، مما ينذر بولاية تشريعية زاخرة بالنقاشات الساخنة والتنافس السياسي المحتدم تحت قبة البرلمان.
برلمان يومًHtpps://barlamanyoum.com
